المقريزي
112
المقفى الكبير
فقال روح : أخلق بقفا هذا أن يجرّ شرّا ! وخرج شبيب من العراق ومنزلة الكوفة ، وقد سبقه صالح بن مسرّح التميميّ بالخروج ، فانضمّ إليه حتّى قتل . فبايع الخوارج شبيبا ، فأقبل حتى كان فيما بين الموصل والعراق . فبعث إليه بشر بن مروان خيولا فهزمها . وأقام نحوا من سنة ، فكثف أمره واشتدّ ، ومات بشر بن مروان ، وولي الحجّاج العراق ، فقام قطريّ بن الفجاءة « 1 » خطيبا ، فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه : إنّ اللّه قد قيّض للفاسق أخي ثمود - يعني الحجّاج - رجلا من الصفريّة - يعني شبيبا - قد أشجاه اللّه وشغله بنفسه ، واللّه ما يبالي في أيّ الفريقين كان الفتح . فوجّه الحجّاج إلى شبيب عبيد بن أبي المخارق في رجال أهل الشام ، وقد نزل شبيب الأنبار ، فهزمه شبيب . ثمّ وجّه إليه يزيد بن هبيرة المجاري فهزمه . ثمّ بعث إليه زحر بن قيس فهزمه ، وأصابته ثمانون طعنة وضربة ، فعاد وهو يحمل في القطن ، وعينه مفلوقة ، فقال الحجّاج : يا أهل الشام ، من أحبّ منكم أن ينظر إلى الشهيد الحيّ فلينظر إلى هذا ! إنّ عين هذا لتنفخ مسكا في الجنّة ! فقال زحر للّذي يحمله : ما أرضانا بالزيت ! ثمّ بعث الحجّاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس فهزمه شبيب ، فبعث عتّاب بن ورقاء التميميّ فلقيه شبيب وقتله . فبعث إليه الجزل الكندي مولى آل عتبة بن أبي معيط فقتله ، فبعث إليه أبا الورد مولاه فقتله . فبعث إليه زياد بن عمرو العتكيّ فانهزم وقتل . فبعث إليه محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد اللّه فقتله شبيب ، فبعث إليه أبا الضريس مولى بني تميم فقتله . ومكث شبيب أربع سنين ، ثمّ ضرب الحجّاج البعث على الكوفة وخرج حتى عسكر في السبخة « 2 » ، وأقبل شبيب ينتقل فيها بين السواد والجبل ، فبعث إليه الحجّاج عبد اللّه بن رميثة الطائيّ ، ولم يكن مع الحجّاج يومئذ من أهل الشام إلّا نحو من سبعمائة رجل ، فكتب ابن رميثة يستأمر الحجّاج ، فكتب إليه أن : أقم مكانك ، فما شعر الحجّاج ، وهو في عسكره بالسبخة ، إذ أقبل شبيب وقد سبق أصحابه في ثلاثين فارسا ففرّقهم في نواحي عسكر الحجّاج ، ثم قال : « لا حكم إلّا للّه ! » ، فانذعر الناس ودخل عامّتهم الكوفة ، وقتل من أصحاب الحجّاج نحوا من ثلاثين ومائة رجل ، ولم يقتل من أصحاب شبيب إلّا رجلان . ثمّ انصرف شبيب فلقي أصحابه في الطريق فردّهم ، ثمّ أقبل حتى أتى الفالوجة فأقام بها خمس عشرة ليلة ، ثمّ أقبل إلى الكوفة فبلغ الحجّاج فرحل إلى كوثى « 3 » ، وبعث إليه علقمة بن عبد الرحمن الحكميّ . فرجع شبيب إلى الأنبار ، فضرب الحجّاج البعث على أهل الكوفة فجعلوا ينهزمون ، ومرّ ابن الحرميّة العبدي على بقّال بالكوفة ، وكان قد كتب بالبعث فقال : يا بقّال ، إنّكم لفي عافية ، فلمّا بلغت الحجّاج كتب إلى عبد الملك : الغوث ! وجّه إليّ أهل الشام . وإنّ رجلا من أهل العراق مرّ ببقّال ، فقال : كذا وكذا . فأمدّه عبد الملك بأربعة آلاف من أهل الشام ، فقدموا عليه وشبيب بالأنبار ، وقد أقام بها عشرين
--> ( 1 ) حاشية بالهامش : قطري بن جعونة ، وهو الفجاءة ، لأنّه كان باليمن فقدم عليه فجأة . وجعونة ابن [ مازن ] بن يزيد بن زياد بن خنثر بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم ( وقد سقط مازن من نسبه في جمهرة ابن حزم 212 ) ، وكنية قطري أبو محمد وأبو نعامة وأبو عبد اللّه . ( 2 ) زاد الطبري 6 / 275 : بين الكوفة والفرات . ( 3 ) كوثى : بأرض بابل من سواد العراق ( ياقوت ) . ولم يذكرها الطبريّ في خبر الحجّاج مع شبيب ( سنتي 76 و 77 ) .